سيد محمد طنطاوي
102
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
عليها السلام منى . . وكان ذلك عند الصخرة التي بمنى . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( ونادَيْناه أَنْ يا إِبْراهِيمُ ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ) * أي : وعند ما صرع إبراهيم ابنه ليذبحه ، واستسلما لأمرنا . . نادينا إبراهيم بقولنا * ( يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ) * أي : قد فعلت ما أمرناك به ، ونفذت ما رأيته في رؤياك تنفيذا كاملا ، يدل على صدقك في إيمانك ، وعلى قوة إخلاصك . قال الجمل : فإن قلت : كيف قال اللَّه - تعالى - لإبراهيم : قد صدقت الرؤيا وهو إنما رأى أن يذبح ابنه ، وما كان تصديقها إلا لو حصل منه الذبح ؟ قلت : جعله اللَّه مصدقا لأنه بذل جهده ووسعه ، وأتى بما أمكنه ، وفعل ما يفعله الذابح ، فأتى بالمطلوب ، وهو انقيادهما لأمر اللَّه « 2 » . وجملة « إنا كذلك نجزى المحسنين » تعليل لما قبلها . أي : فعلنا ما فعلنا من تفريج الكرب عن إبراهيم وإسماعيل ، لأن سنتنا قد اقتضت أن نجازي المحسنين الجزاء الذي يرفع درجاتهم ، ويفرج كرباتهم ، ويكشف الهم والغم عنهم . واسم الإشارة في قوله : * ( إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ) * يعود إلى ما ابتلى اللَّه - تعالى - نبيه إبراهيم وإسماعيل . أي : إن هذا الذي ابتلينا به هذين النبيين الكريمين ، لهو البلاء الواضح ، والاختبار الظاهر ، الذي به يتميز قوى الإيمان من ضعيفه ، والذي لا يحتمله إلا أصحاب العزائم العالية ، والقلوب السليمة ، والنفوس المخلصة للَّه رب العالمين . ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله على هذين النبيين الكريمين فقال : * ( وفَدَيْناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) * والذبح بمعنى المذبوح فهو مصدر بمعنى اسم المفعول كالطحن بمعنى المطحون . أي : وفدينا إسماعيل - عليه السلام - بمذبوح عظيم في هيئته ، وفي قدره ، لأنه من عندنا ، وليس من عند غيرنا . قيل : افتداه اللَّه - تعالى - بكبش أبيض ، أقرن ، عظيم القدر . * ( وتَرَكْنا عَلَيْه فِي الآخِرِينَ . سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ . كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّه مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ) * . أي : ومن مظاهر فضلنا وإحساننا وتكريمنا لنبينا إبراهيم - أننا أبقينا ذكره الحسن في الأمم التي ستأتي من بعده ، وجعلنا التحية والسلام منا ومن المؤمنين عليه إلى يوم الدين ، ومثل هذا
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 23 ص 130 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 548 .